06‏/06‏/2016
https://s3.amazonaws.com/MPImages/PJD/Yatim%2C+Mohammed+Nouabook.jpg

محمد يتيم

المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية: تميز في الممارسة الديمقراطية وضربة موجعة للسلطوية

للسلطوية علاقة جدلية بأزمة الأحزاب، ونقصد بالعلاقة الجدلية علاقة تأثير وتفاعل متبادل حيث إن الواحدة منها قد تفسر الأخرى وقد تكون شرطا، لها علما أن المسؤولية الأخيرة تبقى على الأحزاب السياسية باعتبارها البؤرة الأساسية لإنتاج الأفكار والقيم وإنتاج النخب القادة على قيادة الإصلاح .

يكتسي هذا الترجيح أهميته من حيث إنه يمكننا من وضع اليد على نقطة البداية في الإصلاح ، فإذا كانت السلطوية مفسدة للحياة السياسية، مفسدة للقيم، مفسدة للأحزاب، فإنها رغم ذلك ليست قدرا محتوما، كما أن الاندحار أمام السلطوية ليس ضربة لازب، حيث يبقى تحرر المجتمع والنظام السياسي من السلطوية ممكنا، والنضال السياسي ضد السلطوية والصمود في وجهها ممكن بل واجب، كما أن رفض التعامل مع السلطوية باعتبارها أمرا واقعا مسألة حيوية والحلم السياسي بغد أفضل مشروعا !!

تقوم السلطوية في واقع الأمر على التخوف والتخويف من النخب ومن الأحزاب الحقيقية ومن ثم تجتهد ما أمكن في تخريب دور الأحزاب وتبخيس دورها في صناعة الأفكار والقيم السياسية وإنتاج النخب السياسية، تصر السلطوية على ذلك كي تثبت للمجتمع أن النظام الحزبي فاسد، وأنه غير قادر على القيام بوظائفه تلك، وهي بذلك تسعى إلى إبعاد النخب من العمل السياسي بجميع الوسائل، سواء من خلال العمل على احتوائها و"شرائها " وجعلها في خدمة السلطوية، وجعل مصالحها مرتبطة عضوية بالولاء والتزلف للسلطوية، أو من خلال أساليب الترهيب والتخويف، أو من خلال جعلها تكفر بالعمل السياسي والعمل العام عموما، وفي بعض الأحيان تلجأ إلى أساليب التحكم من اجل معاقبة نخب فكرية وثقافية واقتصادية إن هي فكرت في الانخراط في العمل السياسي من خلال أحزاب ديمقراطية مستقلة القرار !!

تقوم السلطوية على إشاعة وهم انه لا غنى للمجتمع عنها ، لان التنمية والإصلاح في منظورها وجب أن يتنزلا من "فوق" أي من خلال نخب فكرية تكنوقراطية وليس من خلال نخب أفرزها النضال السياسي الميداني والتدرج في مهام التأطير الحزبي.

تفضل السلطوية توظيف نخب تمت "تكنقرطتها" وإفراغها من محتواها الفكري السياسي والأيديولوجي ومن حلمها السياسي، أي نخب فاقدة لأية مناعة سياسية او عمق ايديولوجي ، مما ينشئ لديها قابلية لخدمة التحكم، في مقابل "القرب" منه واستعطاف رضاه لقاء امتيازات فردية مادية ومعنوية.

تقوم السلطوية تبعا لذلك على التدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب، وعلى توجيه القرار الحزبي والتأثير فيه، وهذا الأمر مرتبط من جهة ثانية بوجود قابلية داخل تلك الأحزاب للقبول بالتدخل، واللجوء من قبل "زعماء" فاقدين للشرعية داخل الأحزاب، حيث إن مؤتمرات هذا النمط من الأحزاب تكون في الغالب متحكم في نتائجها ، وغير مسلم بنتائجها .

وهكذا فالنتيجة الطبيعية لغياب الديمقراطية الداخلية هو فقدان استقلالية القرار الحزبي مما يعمق أزمة الديمقراطية الداخلية، وأزمة الديمقراطية للأحزاب يؤدي إلى نفور متزايد للنخب من العمل السياسي ، مما ينتج عنه ضعف حاد في كفاءة "النخب" الحزبية الموالية لـ" الزعيم " وقابليتها للخضوع لـ"السلطوية"، مما يعطي ل"السلطوية" حججا إضافية تدعم ادعاءها بأنه لا فائدة في المرور من المسار النضالي الحزبي، ما دام من الممكن إنزال "مرشحين" و"وزراء" وحتى " زعماء" حزبيين بالمظلة في آخر لحظة !!

تقوم السلطوية على توزيع "الوهم"..وهم القرب من مراكز القرار والقدرة على التأثير فيه، والقدرة على تمكين الطامحين من امتيازات مادية ومعنوية ، ومن ثم ترتكز السلطوية واستبدادها على استغلال بعض مظاهر الضعف الإنساني ومنها: الطمع والخوف، الطمع في السلطة وامتيازاتها ومنافعها ولو كان ذلك على حساب المبادئ والقيم بما في ذلك المبادئ والقيم التي دخل على أساسها العمل النضالي، والخوف من أصحاب السلطة والتحكم وإيذائهم ومكرههم أو الخوف على فوات منافع ومصالح ومناصب ومواقع.

ولذلك فإن سر نجاح مخططات السلطوية هو ضعف المناعة الخلقية والنضالية لدى الأحزاب السياسية، ويكون احد مظاهر القوة في مواجهة السلطوية هو تحصين النخب الحزبية والنخب عامة من الخوف من السلطة او الخوف من التحكم ومن الحرص على السلطة والحرص على امتيازاتها ولو أدى ذلك لمهادنة السلطوية والتواطؤ معها ،

إن اخطر ما يمكن أن تواجهه الأحزاب السياسية الحقيقية هو نمو جيوب سلطوية وتحكمية داخل التنظيم الحزبي أو النقابي أو الجمعوي مهادنة للسلطوية طمعا رغبا أو رهبا خوفا أو طمعا.

بالإضافة إلى أهمية التحصين الأخلاقي والقيمي تبقى الممارسة الديمقراطية الداخلية في إقرار التوجهات وإفراز النخب الحزبية والتكليف بالمهام والمسؤوليات من أهم الآليات التي تحصن ضد السلطوية وتؤهل المناضلين والحزب السياسي والإطار النقابي والجسم الصحفي هو الحرص على الديمقراطية نظرية وممارسة، وفي هذه يتفوق لحد الساعة حزب العدالة والتنمية، ويعتبر نجاح مؤتمره الاستثنائي ليس فقط نجاحا للديمقراطية بل ضربة موجعة للسلطوية باعتباره قدم دليلا على إستقلالية القرار الحزبي ومناعته ضد السلطوية ..

ومن المستغرب حقا كيف لم تستح بعض الاقلام الحزبية التي فشلت أحزابها في مجال ممارسة الديمقراطية الداخلية والمحافظة على إستقلالية القرار الحزبي، وبعض المنابر الصحفية الفاقدة للموضوعية والاستقلالية والمهنية، كيف تجرّؤوا لوصف المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية بأنه "ضرب للديمقراطية الداخلية !! "، وكما يقال : اذا لم تستح فاصنع ما شئت ..!!

اشتركوا في النشرة الإخبارية